السيد هاشم البحراني
53
غاية المرام وحجة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام
أما بعد : فقد عرف أمير المؤمنين كتابكم ، وقدير أمركم ، ومخض زبدتكم ، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم ، وعرفكم مقبلين ومدبرين ، وما آل إليه كتابكم في مراوضة الباطل ، وصرف وجوه الحق عن مواضعها ونبذكم كتاب الله تعالى والآثار ، وكلما جاءكم به الصادق محمد ( صلى الله عليه وآله ) حتى كأنكم من الأمم السالفة التي هلكت بالخسف والغرق والريح والصيحة والصواعق والرجم ، * ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) * ، والذي هو أقرب إلى أمير المؤمنين من حبل الوريد لولا أن يقول قائل : إن أمير المؤمنين ترك الجواب عجزا لما أجبتكم من سوء أخلاقكم ، وقلة أخطاركم ، وركاكة عقولكم ، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم ، فليستمع إليه مستمع وليبلغ الشاهد غائبا . أما بعد : إن الله تعالى بعث محمدا ( صلى الله عليه وآله ) على فترة من الرسل ، وقريش في أنفسها وأموالها لا يرون أحدا يساميهم ولا يباريهم ، فكان نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) أمينا من أوسطهم بيتا وأقلهم مالا ، وكان أول من آمنت به خديجة بنت خويلد فواسته بمالها ، ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وله سبع سنين ، لم يشرك بالله شيئا [ طرفة عين ] ، ولم يعبد وثنا ولم يأكل ربا ( 1 ) ، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم ، وكانت عمومة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إما مسلم مهين أو كافر معاند إلا حمزة فإنه لم يمتنع من الإسلام ولا امتنع الإسلام منه ، فمضى لسبيله على بينة من ربه . وأما أبو طالب فإنه كفله ورباه ، ولم يزل مدافعا عنه ومانعا منه ، فلما قبض الله أبا طالب هم به القوم وأجمعوا عليه ليقتلوه ، فهاجر إلى القوم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ] ، فلم يقم مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أحد من المهاجرين كقيام علي ابن أبي طالب ( عليه السلام ) فإنه آزره ووقاه بنفسه ونام في مضجعه ، ثم لم يزل متكئا - وفي نسخة : متمسكا - بأطراف الثغور وينازل الأبطال ، ولا ينكل عن قرن ، ولا يولي عن جيش منيع القلب ، يؤمر على الجميع ولا يؤمر عليه أحد ، أشد الناس وطأة على المشركين ، وأعظمهم جهادا في الله ، وأفقههم في دين الله ، وأقرأهم لكتاب الله وأعرفهم بالحلال والحرام ، وهو صاحب الولاية في حديث غدير خم ، وصاحب قوله : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ، وصاحب يوم الطائف .
--> 1 - كما ذكره المسعودي والمقريزي راجع مروج الذهب : 1 / 401 ط . مصر 1346 ه ، وط . بيروت 2 / 276 ذكر مبعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وإمتاع الأسماع : 1 / 16 ط . مصر تحقيق محمود شاكر ، والرياض المستطابة : 168 ترجمة الأمير .